النويري

70

نهاية الأرب في فنون الأدب

قدوم التتار ، قويت نفوسهم ، وامتد طمعهم . فأذن السلطان له في ذلك . فجمع جيوش الحصون ، وأمر التركمان والرجالة ، واستصحب المجانيق وآلات الحصار . وتقدم إلى حصن المرقب ، ونزل بالقرب منه ، فاختفى أهله ، ولم يتحركوا في مبدأ الحال . فقوى طمع العسكر فيهم ، وتقدموا إلى جانب الحصن ، فرشقهم الفرنج بالسهام والجروخ « 1 » من أعلا الحصن ، وسهام المسلمين لا تصل « 2 » إليهم . فاضطرب العسكر ، وأمرهم الطباخى أن يتأخروا عن الحصن ، فظنوها هزيمة وولوا ، فما أمكنه إلا أن يتبعهم . وخرج الفرنج في أعقابهم ونالوا من المسلمين ، وجرحوا منهم جماعة ، ونهبوا وأسروا جماعة من الرجالة . وبلغ السلطان ذلك ، فأنكره وكبر لديه ، وعزم على السفر . ذكر توجه السلطان إلى الشام . وفى سنة تسع وسبعين وستمائة أيضا ، عاد السلطان إلى الشام . وكان خروجه من قلعة الجبل ، في مستهل ذي الحجة . ونزل بها ولده الملك الصالح ، ورتب في خدمته الأمير علم الدين سنجر الشجاعى ، لاستخراج الأموال ، وغير ذلك . وفى هذه السنة ، في ذي الحجة ، وصل الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا من العراق ، إلى خدمة السلطان . وعاود الطاعة ، وسأل الصفح ، عن ما فرط من ذنبه ، من إعانة سنقر الأشقر ، وما كان عزم عليه من الانضمام إلى التتار ، وكان اجتماعه بالسلطان بمنزلة الروحاء . ولما وصل إلى الخدمة ، ركب السلطان إليه ، وتلقاه وأكرمه ، وبالغ في إكرامه وأحسن إليه .

--> « 1 » الجروخ : والمفرد جرخ ، نوع من القسي يرمى عنه السهام والفوط ، ويقال لمستخدمه من الجند جرخى . « 2 » في الأصل لا يصل وما هنا هو الصواب لغويا .